الخطيب الشربيني

49

مغني المحتاج

لأن العفو مستحب ، فقد رغب الشارع فيه . قال الله تعالى * ( فمن عفا وأصلح فأجره على الله ) * وروى البيهقي وغيره عن أنس : أن النبي ( ص ) كان ما رفع إليه قصاص قط إلا أمر فيه بالعفو ( وعلى الأول ) وهو أن موجب العمد القود ( لو أطلق ) الولي ( العفو ) عن القود ولم يتعرض للدية بنفي أو إثبات ( فالمذهب لا دية ) لأن القتل لم يوجب الدية على هذا القول ، والعفو إسقاط ثابت لا إثبات معدوم . والثاني تجب لقوله تعالى * ( فمن عفي له من أخيه شئ فاتباع بالمعروف ) * أي اتباع المال وذلك يشعر بوجوبه بالعفو ، وأجاب الأول بحمل الآية على ما إذا عفا على الدية . فإن قيل : ما الفرق بين عبارة المصنف وعبارة الروضة ، وهي لو عفا عن القود مطلقا إلخ ؟ أجيب بأن الفرق بينهما أن هذه قيدت العفو بالاطلاق بخلاف عبارة المصنف فإنها تقتضيه لا بقيد فهي أعم . تنبيه : محل الخلاف ما إذا أمكن ثبوت المال ، فإن لم يمكن كأن قتل أحد عبدي شخص عبده الآخر فللسيد أن يقتص وأن يعفو ولا يثبت له على عبده مال ، فإن أعتقه لم يسقط القصاص ، فإن عفا السيد بعد العتق مطلقا لم يثبت المال جزما ، أو على مال ثبت كما في الروضة وأصلها آخر الباب . ونفي المصنف الدية قد يفهم أنه لو اختار الدية عقب عفوه المطلق لم تجب ، والمنقول عن ابن كج وجوبها ويكون اختيارها بعد العفو تنزيلا له منزلة العفو عليها بخلاف ما إذا تراخى اختياره لها عن العفو فلا تجب خلافا لما نقل عن بعض الأصحاب ، ولم يفرع المصنف على القول المرجوح لطوله وعدم العمل به . ( ولو عفا ) الولي على القول الأول ( عن الدية لغا ) عفوه لأنه عفا عما ليس مستحقا له ( وله العفو ) عن القصاص ( بعده عليها ) وإن تراخى لأن اللاغي كالمعدوم ( ولو عفا ) على القولين عن القود ( على غير جنس الدية ) أو صالح غيره عليه ( ثبت ) ذلك الغير أو المصالح عليه ، وإن كان أكثر من الدية ( إن قبل الجاني ) أو المصالح ذلك وسقط عنه القصاص ( وإلا ) بأن لم يقبل الجاني أو المصالح ذلك ( فلا ) يثبت لأنه اعتياض فاشترط رضاهما كعوض الخلع ( ولا يسقط ) عنه ( القود في الأصح ) لأنه رضي به على عوض ولم يحصل له ، وليس كالصلح على عوض فاسد لأن الجاني هناك قبل والتزم . والثاني يسقط لرضاه بالصلح عنه ، وعلى هذا هل تثبت الدية ؟ قال البغوي : هو كما لو عفا مطلقا وأقراه . تنبيه : لو عفا عن القود على نصف الدية ، قال القاضي حسين : هذه معضلة أسهرت الجلة اه‍ . والجلة - بكسر الجيم وتشديد اللام - الطاعنون في السن قاله الجوهري . وقال غير القاضي : هو كعفو عن القود ونصف الدية ، كذا قاله الشيخان . قال في المهمات : وما نقلاه عن غير القاضي صرح به القاضي أيضا فيسقط القود ونصف الدية . ( وليس لمحجور فلس ) أو نحوه كوارث المديون استحق قصاصا ( عفو عن مال إن أوجبنا أحدهما ) لا بعينه لأنه ممنوع من التبرع به ( وإلا ) بأن أوجبنا القود عينا ( فإن عفا ) من ذكر عنه ( على الدية ثبتت ) قطعا كغيره ( وإن أطلق ) العفو ( فكما سبق ) من أن المذهب لا دية ( وإن عفا ) من ذكر ( على أن لا مال ) أصلا ( فالمذهب أنه لا يجب شئ ) لأن القتل لم يوجب المال ، ولو كلفنا المفلس أن يعفو على مال كان ذلك تكليفا بأن يكتسب وليس عليه الاكتساب ، وقيل تجب الدية بناء على أن إطلاق العفو يوجبها . تنبيه : جرى المصنف هنا على طريقة الخلاف ، لكنه في باب التفليس جزم بالصحة ، سواء أكان على مال أم لا ، حيث قال فيه : ويصح اقتصاصه وإسقاطه ، واحترز بمحجور عن المفلس قبل الحجر عليه فإنه كموسر ، وبمفلس عن المحجور عليه بسلب عبارته كصبي ومجنون فعفوهما لغو ( والمبذر ) بمعجمة ، حكمه بعد الحجر عليه بالتبذير في